الجزء الثامن: بيتٌ يتّسع للوعد

الفصل السادس والسبعون: ما بين طفلين وأفقٍ واحد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل السادس والسبعون: ما بين طفلين وأفقٍ واحد

كانت الشهور تمر، وعبدالملك يزداد وعيًا وحركة، والحمل الثاني ينمو، والبيت الكبير في بخارستان يشتدّ اكتمالًا، حتى صار الناس إذا دخلوا الدار شعروا أنهم لا يدخلون بيتًا عاديًا، بل بيتًا يتهيأ لشيءٍ أكبر من رفاه السكن ونعمة المال.

في المجلس قرآن.
في الفناء طفلٌ يتعلم الخطوات الأولى.
في الإسطبل خيل تُعدّ.
في الغرف نساء يذكرن الله ويتحدثن عن تربية البنات والذكور بالمنهج نفسه من الشرف والعلم.
في الأرض رجال يخططون لمخازن جديدة، ولمساحات زرع، ولأماكن تصلح لاستقبال مزيد من المعلمين.

وكانت صفية في وسط ذلك كله تتحول بهدوءٍ إلى قطب البيت الأنثوي.
لا لأنها الأعلى صوتًا، بل لأنها الأعمق حاجةً إلى أن ينجح هذا البيت.
فمن جُرح طويلًا في بيتٍ خاطئ، يصير أكثر الناس حرصًا على أن يكون البيت الصحيح صحيحًا فعلًا.

وذات يوم، رأت عبدالملك يمد يده إلى كتابٍ كان في مجلس أبيه تقي الدين، فأسرعت إليه.
لكن تقي الدين قال:
— دعيه.
فنظرت إليه:
— سيعبث به.
فقال الشيخ:
— فليعبث به الآن، خير له من أن يكبر غريبًا عن الكتب.
ثم حمله ووضعه في حجره، وفتح الصفحة، وقال:
— هذه يا بنيّ ليست أوراقًا… هذه وجوه الناس إذا أرادوا أن يبقوا بعد موتهم.

وقفت صفية تتأمل المشهد، وشعرت أن الحياة في هذا البيت تعلم أبناءها حتى من مزاحها الهادئ، ومن مواقفها الصغيرة.

ثم في الليل، حين عاد إليها سعيد، قالت له:
— أخاف أحيانًا من جمال هذا كله.
— لماذا؟
— لأن الإنسان إذا ذاق القسوة طويلًا، خاف من الهدوء كأنه شيءٌ مؤقت.
فأخذ يدها، وقال:
— الهدوء ليس مؤقتًا إذا حرسه الله.
ثم أضاف:
— ونحن لا نبني هنا حلمًا هشًا، بل نبني على دينٍ، وعلى علمٍ، وعلى تجربة مررنا بها بالنار.
ومن مرّ بالنار، يعرف كيف يحرس بيته من الشرر.