الفصل السبعون: الأرض، والبيت، والمنهج
لم يكن سعيد من الرجال الذين يكتفون بأن يفرحوا بالولد ثم يتركوا الأيام تتكفل بالباقي.
بل كان يرى أن التربية تبدأ قبل أن يشتد عود الطفل، وأن البيوت العظيمة لا تُبنى بالعاطفة وحدها، بل بالعاطفة التي تحرسها رؤية.
ولهذا، ما إن استقرّوا في بخارستان، واطمأن على صحة صفية وطفله، حتى عاد إلى الأرض التي بدأ مشروعها هناك، وصار يقف في تفاصيلها بعين من يعرف أن كل حجر يوضع الآن سيكون له أثرٌ بعد عشرين سنة، وربما بعد خمسين.
كان البيت الكبير قد ارتفع أكثر مما كان عليه حين غادروا إلى المدينة.
جدرانٌ بيضاء واسعة.
فناءٌ يتوسطه ظلّ شجرة.
مجلسٌ للضيوف من جهة، ومجالس داخلية من جهة أخرى.
غرفٌ تكفي للبيت الكبير الذي سيزداد بالأطفال.
وملحقاتٌ تصلح لاستقبال العلماء والمربين إذا قدموا.
وإلى جانب ذلك، الأرض الزراعية تمتد، وفي أطرافها إسطبلٌ بدأ يتشكل، ومخزنٌ للحبوب، ومكانٌ خُصص لاحقًا لحلقة العلم.
خرج سعيد في صباحٍ صافٍ مع تقي الدين، وعماد الدين، وبدر الدين، وحسام الدين، ووقفوا في أطراف الأرض.
قال سعيد:
— نحن لا نبني دارًا فقط.
نبني طريقة حياة.
فإذا كبر هؤلاء الصغار، لا نريدهم أن يعرفوا العلم وحده دون قوة، ولا القوة وحدها دون رحمة، ولا الإدارة دون تقوى، ولا النسب دون عمل.
قال تقي الدين:
— نعم.
والولد إذا نشأ في بيتٍ يغلب فيه طرف على طرف، خرج ناقصًا.
من تعلّم الدين وحده ولم يتعلم أحوال الناس، عجز.
ومن تعلم الشجاعة بلا فقه، أفسد.
ومن تعلّم الإدارة بلا خشية، ظلم.
أما بدر الدين، الذي كانت روحه أقرب إلى الفروسية منها إلى الجدل، فقال:
— ويجب أن يعرفوا الخيل منذ الصغر.
فمن لا يعرف كيف يثبت جسده، قلّ ثباته في كثير من الشدائد.
فضحك حسام الدين وقال:
— وأنت ترى الخيل دواء كل شيء.
فأجاب بدر:
— ليست دواء كل شيء، لكنها تُظهر في الرجل ما يختبئ منه عن نفسه.
ابتسم سعيد، وقال:
— ولهذا أريد لكل واحدٍ منكم نصيبًا فيهم.
أنت يا بدر للفروسية والانضباط.
وأنت يا عماد في حسن النظر والتدبير.
وأنت يا حسام في الفراسة وقراءة الناس.
وأنت يا شيخنا — ونظر إلى تقي الدين — في العلم والروح.
ولما عاد إلى البيت، جلس مع صفية وأخبرها بما دار.
كانت تحمل عبدالملك يومها، وقد بدأ يفتح عينيه على الأشياء بوعيٍ أوسع، يحدق في السقوف والوجوه كما لو أنه لا يكتفي بالنظر، بل يُصغي إلى ما وراء الصورة.
قالت صفية:
— وأنت؟ ما نصيبك أنت فيه؟
تبسم سعيد:
— أنا؟
— نعم.
— سأعلمه ما لا يظهر في الكتب وحدها.
كيف يزن الرجال،
وكيف يسمع إذا غضب الآخرون،
وكيف يقرأ المصالح من غير أن يبيع الحق،
وكيف يكون الحزم رحمةً إذا وُضع في موضعه.
ثم نظر إلى الطفل، وأضاف:
— لكن أول ما أريده منه الآن أن ينام جيدًا ويكبر سالمًا.
فضحكت صفية.
وكانت ضحكتها في تلك اللحظة إحدى أجمل صور السكينة؛ لأنها ضحكة امرأةٍ بدأت ترى أن بيتها لا يتشكل على الفوضى، بل على يد رجلٍ يعرف أن الحب وحده لا يكفي، لكنه لا يُهمل الحب كذلك.