الجزء السابع: المدينة تستردُّ سرَّها

الفصل الثاني والستون: الرحلة إلى المدينة من جديد

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثاني والستون: الرحلة إلى المدينة من جديد

كانت العودة إلى المدينة هذه المرة مختلفة عن كل ما سبق.

فصفية لم تعد تلك الفتاة التي تدخلها متقطعةً بين الحاجة والدهشة، ولا الموظفة التي جاءت تبحث عن عمل، ولا المرأة التي هربت من بيتٍ يمتلئ بالأذى.
بل عادت إليها وهي تحمل في رحمها اسمًا وُعدت به، وتاريخًا بدأ يتشكل، وبيتًا جديدًا خلفها في بخارستان، وأصلًا استعادها، وزوجًا يسير معها لا أمامها فقط.

في الطريق، كانت تتأمل ما جرى لها منذ خرجت من هذه المدينة أو دخلتها أول مرة باحثة عن وظيفة.
كم من حياةٍ عبرتها في سنوات قليلة:
الطلاق،
العمل،
الحب،
الزواج،
السحر،
الرؤى،
استعادة الاسم،
لقاء الأهل،
ثم الحمل.

وكان بطنها قد برز بوضوح، وصار حضور عبدالملك في جسدها لا يترك لمشاعرها فرصة أن تبقى في الماضي طويلًا.
فكلما أرادت أن تسترسل في الحزن على ما فات، تحرك الجنين في رحمها كأنما يردّها إلى الأمام.

قال لها سعيد في أثناء السفر:
— بمَ تفكرين؟
ابتسمت ابتسامةً هادئة:
— أفكر أن الله جمع لي بين المدينة مرتين.
— وكيف؟
— مرةً أخذت مني اسمي، ومرةً يرد إليّ أول أبنائي.

نظر إليها بإعجابٍ خفي، وقال:
— وما بين المرتين صنع منكِ امرأة لا تشبه امرأة أخرى.

وفي المدينة، نزلوا في موضعٍ مريح قريب من المستشفى، وقريب أيضًا من الروح التي كانت صفية تريدها في تلك الأيام: روح المسجد النبوي، والسكينة التي لا يخطئها من عرف كيف يبكي عند أبوابه.

كانت تذهب، إن سمحت حالها، إلى المكان الذي ترى منه القبة الخضراء أو تدخل ما استطاعت من المسجد، وتجلس في صمتٍ طويل، لا تطلب من الله شيئًا لم يعد بينه وبينها حاجزٌ كبير.
فقد صار دعاؤها في تلك الأيام بسيطًا وعظيمًا معًا:
— يا رب، كما أخرجتني من ضياعي، فأخرج ولدي إلى نورك سالمًا مباركًا.