الجزء الرابع: حين تكلّم الغيب

الفصل الرابع والثلاثون: بين البشارة والخشية

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الرابع والثلاثون: بين البشارة والخشية

قصّت الرؤيا على سعيد.

وكان من أثرها عليه ما يشبه أثر المطر على أرضٍ واسعة؛ لا يُسمع كل ما يفعله دفعةً واحدة، لكنه ينفذ إلى العمق.
جلس يستمع، ووجهه تارة يشتد وقاره، وتارة يرقّ، وتارة يلمع فيه شيءٌ من التأمل الممزوج بالخشية.

فلما فرغت، قال:
— رؤيا عظيمة.
ثم سكت.
وقالت سارة:
— أتراك تراها حقًا؟
قال:
— أنا لا أبني الغيب كله على حلم، لكنني لا أستهين برؤيا جاءت بعد هذا العلاج، وبعد تلك الرؤيا الأولى، وبعد ما كشفه الله لنا من صدقها.
ثم ابتسم ابتسامةً هادئة:
— وصدقًا… حين أتخيلك أمًّا لهؤلاء، لا أستغرب.

خفضت رأسها، وشعرت بخجلٍ ممزوج بفرحٍ خائف.
ثم قالت:
— ذكر لنا القتل أيضًا.
فنظر إليها بثباتٍ قلّ أن يوجد في غيره:
— ومن قال إن الموت إذا جاء في سبيل الله خسارة؟
ثم أضاف:
— نحن لا نعيش لنحفظ أنفسنا فقط، بل لنؤدي ما كتب الله لنا. فإذا كان في آخر الطريق شهادة، فليكن آخره خيرًا كما كان أوله عناية.

وهكذا، بدأت الرؤيا الثانية تعيد ترتيب نظرتهما إلى حياتهما كلها.

لم يعد الزواج مجرد نجاة شخصية.
ولم تعد المعركة مع أهل الشر مجرد خصومة عائلية.
صار في الأفق مقصد أكبر:
بيت سيُبنى.
أبناء سيأتون.
أرض سيُرحل إليها.
دولة رحمة وعدل ستقوم.
وموتٌ كريمٌ سيختم ما بعده ذكرًا لا ينطفئ.