الجزء الرابع: حين تكلّم الغيب

الفصل الثلاثون: بين اليقين والذهول

⏱ 1 دقيقة للقراءة 📖 0 كلمة
الفصل الثلاثون: بين اليقين والذهول

نهضت من نومها مفزوعة، لا على هيئة من رأى كابوسًا، بل على هيئة من انشقّت له السماء قليلًا ثم أُغلقت، وبقي على الأرض يحمل ما لا يعرف كيف يضعه في الكلمات.

كانت الغرفة مظلمة إلا من خيط ضوءٍ خافت من الخارج.
نظرت حولها، ورأت سعيدًا نائمًا إلى جوارها.
مدّت يدها بسرعة تهزه:
— سعيد… سعيد.

فتح عينيه على قلق:
— ماذا بك؟
قالت، وأنفاسها متقطعة:
— رأيت… رأيت شيئًا ليس كالأحلام.

جلس فورًا، وأسند ظهره إلى الجدار:
— اهدئي. قولي.

وحكت.

من أول الأرض الغريبة… إلى الرجل الصالح… إلى البيت… إلى المواضع… إلى الأسماء… إلى الجملة الأخيرة.

وكان سعيد يسمعها لا سماع الرجل الذي يريد أن يطمئن زوجته بكلام سهل، بل سماع رجلٍ اجتمعت في داخله قرائن متفرقة طويلاً، فجاءت هذه الرؤيا لتضعها في نسقٍ واحد.

فلما انتهت، بقي صامتًا لحظات.

كانت سارة تنظر إليه بخوف:
— أتراني أهذي؟
رفع عينيه إليها، وقال ببطء:
— لا.
— هل تصدقني؟
— أصدقك.

ثم مسح على وجهه، كأن ذهنه يعيد ترتيب أشياء كثيرة وقعت من قبل ولم يفهمها.
قال:
— هناك أمور في بيتنا لا تفسير لها تفسيرًا عاديًا. وأنا منذ مدة أشعر أن الذي يحدث أكبر من خلاف طباع أو تعب زواج.
ثم نظر إليها مباشرة:
— سنفعل ما رأيتِ.

في الصباح، كانا شخصين آخرين.

لم يعودا يواجهان ضيقًا مبهمًا فقط، بل صارا يواجهان احتمالًا مرعبًا، نعم، لكنه على الأقل احتمال مفهوم.
فالمصيبة إذا صار لها اسم، خفت وحشتها قليلًا، لأن الإنسان يبدأ يعرف من أي بابٍ يحارب.

بدآ يتتبعان المواضع التي ذكرتها الرؤيا.

كانا يتحركان بحذرٍ وهيبة.
كلما وصلا إلى موضعٍ من المواضع، شعرت سارة بقلبها يضرب بقوة، كأن المنام ليس وراءها بل أمامها.
وعند بعض الزوايا، وجدوا ما يجعل الدم يبرد في العروق.

أشياء مدفونة على غير معنى.
لفافات.
عُقد.
آثار لا تفسير شريف لها.
أمور لا يضعها إنسانٌ في بيت غيره إلا وهو يريد له الأذى.

وقف سعيد طويلًا، وقد صار وجهه من شدة الغضب ساكنًا على نحوٍ مخيف.
لم يكن كثير الانفعال في العادة، لكن هدوءه حين يغضب كان أشد رهبة من صراخ غيره.
قال:
— حسبنا الله ونعم الوكيل.

أما سارة، فكانت تنظر إلى ما يخرج من بيتها، وتشعر أن قلبها يخرج معه قطعةً قطعة.
هذه الأشياء لم توضع في بيتها عبثًا.
هذه أيدٍ عرفت غرفها.
دخلت مطبخها.
مرّت فوق فراشها.
تحركت وهي تعرف أنها تلوث الحياة نفسها.

وقالت بصوتٍ مكسور:
— كانوا يبتسمون لي.
فنظر إليها سعيد نظرةً امتلأت وجعًا ورحمة:
— بعض الناس يبتسمون وهم يطعنون. وليس ذنبك أنكِ صدقتِ القرابة.

ثم بدأ الفصل الجديد:

العلاج.