الفصل التاسع عشر: باب الأب
لم يكن الأب الذي ربّى سارة رجلًا شريرًا، لكنه يريد ان يزيح حملا عن ظهره.
كان من أولئك الرجال الذين أكلت السنون من حوافّهم حتى صاروا يميلون إلى الاستسلام أكثر من الميل إلى المواجهة.
يقفون طويلًا في وجه التعب، لكنهم لا يقفون طويلًا في وجه العاصفة البشرية حين تأتي من أهل البيت والأقارب.
ومع ذلك، فقد كان فيه شيءٌ واحد لم يمت تمامًا:
إحساسٌ خافت بأن هذه البنت، رغم أنها لم تأخذ من البيت ما يكفيها، كانت تستحق من الدنيا شيئًا أفضل مما نالته.
وحين أخبرته سارة، بصوتٍ متردد، أن رجلًا يريد أن يتقدم لها، لم يبدُ عليه في البداية إلا الوجوم.
كان المساء ساكنًا، وهو يجلس على فراشٍ أرضي متكئًا إلى الجدار، والتعب على وجهه أقدم من تجاعيده.
قال لها:
— من هو؟
قالت:
— مدير الشركة التي أعمل بها.
رفع رأسه ببطء:
— مدير؟
— نعم.
— ويعرفك؟
— يعرفني من العمل.
— ويريد الزواج؟
— نعم.
سكت طويلًا.
أما هي، فكانت تنتظر الكلمة التي كثيرًا ما حُرمتها النساء في بيئتها:
كلمة الإنصاف.
لا الحنان بالضرورة، ولا الفرح الصاخب، بل على الأقل أن يقول لها أبوها: هذه فرصة كريمة، وأنا لا أقف في وجهها.
دخلت الأم في تلك اللحظة، فلما رأت الصمت متوترًا بينهما، وقفت عند الباب تسأل بنظرتها قبل لسانها.
قال الأب:
— يقولون إن مدير الشركة يريد سارة.
لم تبدُ على الأم أمارات المعارضه فقالت :
— إن كان رجلًا صالحًا فالله يكتب الخير.
كان قولها أقرب إلى رفع الحرج من كونه ترحيبًا حقيقيًا.
لكن سارة، التي تربت على شحّ العاطفة، تلقفت منه ما استطاعت.
يكفيها أنهم لم يصرخوا، ولم يرفضوا من أول وهلة.
بعد يومين، جاء سعيد.
لم يأتِ كمن يريد أن ينتزع الفتاة انتزاعًا، ولا كمن يتفضل على أهلها بمكانته، بل جاء بوقار الرجال الذين يعرفون أن كل بيتٍ ـ مهما صغر وفقر ـ له حرمته وهيبته.
جاء معه رجلان من أهل الثقة، بملابس مرتبة، وهيئة تبعث على الاحترام لا على التفاخر.
دخل البيت، فهبّت فيه حركة غير مألوفة.
الإخوة ينظرون والبعض حاسدون كنسائهم.
الام فيها لهفه لزواج تلك البنت التي ربتها لتزيح عن ظهرها حمل السنين والاحساس بالذنب
الأب يحاول أن يبدو ثابتًا.
والأخت الكبرى كانت أذنها في الجدار وجسدها يحترق من الغيرة وان لم تبدها والعجوز يرتب اجتماعا بعيدا مع المرده وابناء العم يخططون لاجهاض هذا الزواج.
جلس سعيد في المجلس البسيط، وبدت مفارقة المشهد جلية.
رجلٌ من عالمٍ آخر، منضبط الكلام، نظيف السمت، يجلس على فراش بيتٍ فقير لا يكاد يعرف أصحابه كيف يتعاملون مع حضورٍ كهذا.
لكن سعيد لم يظهر عليه ضيق ولا تعالٍ.
بل كان كلما ازداد فقر المكان وضوحًا، ازداد هو تواضعًا وهدوءًا.
قال بعد كلمات الترحيب:
— جئتكم طالبًا القرب بالحلال.
ثم سمّى نفسه، وسمّى عمله، وقال بوضوحٍ لا لبس فيه:
— أريد ابنتكم سارة على كتاب الله وسنة رسوله.
لم يكن الأب يتوقع هذا السكون في الرجل.
كان يظن أن أصحاب المكانة يأتون وفيهم شيءٌ من الاستعلاء، فإذا به أمام رجلٍ كلامه موزون، وهيبته لا تؤذي، ونظره لا ينزل إلى الناس من علٍ.
سأله الأب بعض الأسئلة المعتادة.
عن العمر.
عن العائلة.
عن الحال.
وأجاب سعيد بإيجازٍ صادق.
ولم يذكر لنفسه من الأوصاف إلا ما يلزم ليطمئن الرجل، لا ما يجعله يشعر بالصَغار.
ثم ساد صمتٌ قصير.
وفي ذلك الصمت، مرّت على قلب الأب أشياء كثيرة:
ابنته التي عادت مطلقةً في شهر.
بكاؤها المكتوم لسنوات.
عجزه عن أن يصنع لها حياةً أفضل.
ونظرة الناس التي لم يقدر أن يردها عنها.
ثم هذا الرجل، الذي جاء إليها وهو قادرٌ أن يتزوج من أي مكانٍ آخر، لكنه اختارها هي.
قال الأب، أخيرًا، بصوتٍ خرج من عمق تعبه:
— إن كانت البنت موافقة… فأنا لا أمانع.
لم تصرخ سارة من الداخل، لكنها حين سمعت الجملة من وراء الستر، شعرت كأن قيدًا قديمًا انكسر في روحها.
أما الأم، فخفضت رأسها.
ولوهلةٍ خاطفة، أحست أن القدر الذي أُخذ من يدها منذ سنين يمضي الآن إلى موضعه، وأن هذه البنت التي دخلت بيتها على هيئة سرٍّ باتت تغادره على هيئة عروس.
لكن ما جرى في ذلك المجلس الهادئ، كان في الخارج زلزالًا.